رئيس التحرير: عمر عبدالله
محليات٢١ مايو ٢٠٢٦

قوص: المدينة التاريخية في قلب صعيد مصر

بقلم: عمر عبدالله

اكتشف مدينة قوص التاريخية في قلب محافظة قنا. تعرف على تاريخ قوص، أسرار مسجد العمري الأثري، وأهم معالمها الصناعية والتجارية في مقال شامل عن "أزهر الصعيد".

يا أهلنا في قنا، يا أهل الكرم والطيب، عمرك ما تحس بقيمة المكان إلا لما تدوس أرضه برجلك وتستنشق هواه. لما القطر يرمي حموله وتلاقي نفسك في محطة قوص، إياك تفكر إنك نزلت في أي محطة في الصعيد. أبدًا يا عم الحاج، أبدًا يا ست الكل! هنا بتستقبلك في وشك ريحة تاريخ ما يتنسيش، ريحة جدودنا اللي مكملة آلاف السنين، ريحة الأجداد اللي بنعلي بقيمتهم راسنا. أيوة، هنا في سواد قلب محافظتنا، محافظة قنا، قاعدة بلد كانت زمان، زي ما بيقولوا الناس الكبار، هي العاصمة التانية لمصر أيام الإسلام، وكانت بوابتنا الكبيرة اللي ربطت نيلنا الطيب بكل الدنيا عن طريق مينا عيذاب هناك. قوص دي مش شوية مركز إداري تبع قنا وخلاص، لا دي كأنها متحف مفتوح على عرض الشارع، بيحكي حكايات المجد اللي بدأت من زمن الفراعنة لغاية ما وصلنا لأيام الصناعة دلوقتي، بمصانع السكر والورق اللي مالية الدنيا، ومعبية جيوب الخلق خير.

جذور ضاربة في عمق التاريخ: قوص من زمن الفراعنة لغاية الإسلام

تاريخ قوص مش مجرد سطرين مكتوبين في كتاب، ده حكاية كبيرة فيها فصول وحكايات متفرعة. من زمان أوي، أيام الفراعنة، كانوا بيسموها "قوس" وكانت حتة مهمة تبع الإقليم الخامس من أقاليم الصعيد المتعددة، وكانوا بيعبُدوا فيها الإله "حورس". ومع مرور الأيام والسنين، وتحديدًا في عصرين مهمين هما العصر الأيوبي وبعده المملوكي، البلد دي شافت أيام عز ومجد ما شفتهاش كتير من بلاد الصعيد.

قوص دي ما كانتش مجرد مدينة عادية، دي كانت قلب ولاية الصعيد كلها، والوالي اللي يحكمها كان مقامه ومكانته كبيرة، كرامته من كرامة أمراء القاهرة ذات نفسهم. الفضل في الرزق والعز ده كله يرجع لمكانتها الجغرافية اللي ربنا خصها بيها، كانت هي نقطة الانطلاق للقوافل التجارية اللي بتمشي من النيل لحد البحر الأحمر. كل التاريخ ده، ساب بصمته على حواري المدينة القديمة، اللي لغاية دلوقتي أسماءها بتحكي عن حكايات عمرها مئات السنين. يعني مثلاً، عندك "درب الحرافيش" و"منطقة الشيخ عثمان"، أسامي بتحس إنها بتحكي لك قصة لوحدها، وتحس معاها إنك رجعت بالزمن كام قرن لورا.

المسجد العمري في قوص: منارة للعلم والعمارة الإسلامية

ولما نجيب سيرة الآثار الإسلامية في صعيدنا اللي يفتح النفس، لازم مسجد العمري في قوص ياخد صدارة الصورة، ده يُعد من أقدم مساجد الصعيد وله كده هيبة خاصة بيه لوحده. المسجد ده مش بس مكان نصلي فيه ونمشي، ده شاهد حي على كل العصور اللي مرت على بلدنا وشافت أيامنا. اتبنى على نفس شكل الجامع الأزهر بالظبط، وشكل جامع الحاكم بأمر الله اللي موجود في القاهرة، وجواه "منبر" خشب كده، بالذمة، مفيش زيه في جمال النقش ودقة الصنعة، يعتبر من أقدم المنابر الإسلامية في العالم أجمع، وده بيرجع لزمن الخليفة الآمر بأحكام الله الفاطمي.

جوه المسجد تلاقي كده لوحات رخام محفورة نقش (إحنا بنسميها فرامين)، بتنص على إلغاء ضرايب كانت مفروضة زمان على الناس، وده بيبين قد إيه المسجد ده كان له أهمية كبيرة مش بس في الدين، لأ وكمان في إدارة شؤون البلد والعباد. الصلاة في مسجد العمري ليها روحانية خاصة عند أهل قوص والبلاد اللي جنبها زي قفط ونقادة، يعتبروه كأنه "أزهر الصعيد" اللي طلع منه كبار المتخصصين في العلم والقضاء. يقول الحاج علي من قوص: "اللي ما صلى في العمري، كأنه ما زار قوص ولا شاف حلاوتها".

جغرافية المكان: أحياء قوص وشوارعها النابضة بالحياة

مدينة قوص دي، كأنها حتة من قماش الصعيدي الأصيل، معمول من خيوط الدهب وخيوط الحرير. تلاقي فيها القديم بيصافح الجديد كأنهم صحاب من سنين. المدينة متقسمة لكذا حتة، كل حتة ليها كده ريحتها وطعمها الخاص:

  • المنطقة القديمة: هنا بالظبط تلاقي مسجد العمري الشامخ، تتميز ببيوتها الأثرية وشوارعها الضيقة اللي كانت فيها كل أسواق الصنايعية والحرفيين زمان. الحاج محمود من نجع حمادي، كان بيحكيلي وهو بيتنهد: "الدرب ده كان كله خير وبركة وبياعين، صوته كان مسمع للدنيا كلها".
  • منطقة السكرية: دي بقى اللي حوالين مصنع سكر قوص العملاق، تعتبر قلعة صناعية، وفيها تجمعات سكنية لعمَال المصنع الكادحين. المنطقة دي ليها بصمة كبيرة في قلب أهل البلد.
  • شارع الجمهورية: ده نقدر نقول عليه الشريان الرئيسي للتجارة في المدينة، هنا تلاقي أكبر المحلات وأكثر الزحام اللي يخليك تحس بالحياة والنشاط بتاع "القواصنة" (أي أهل قوص). بصراحة، زحمة الشارع ده ليها بهجة وطعم تاني.
  • منطقة الكوبري العلوي: اللي شبك شرق المدينة بغربها، وخلى الحركة أسهل كتير عشان الناس تسافر للصحرا أو تعدي الناحية التانية.

وما ننساش القرى الكبيرة اللي تبع المركز، زي "حجازة" المشهورة بتاريخها العريق، و"جراجوس" اللي العالم كله عرفها بسبب مصنع الفخار اليدوي اللي عملوه الرهبان الفرنسيين، و"شنهور" اللي لسه فيها آثار معابد قديمة محتاجة اللي يكشفها. والله، كل شبر في قوص له حكايته اللي تفتح النفس وتملأ القلب.

قوص كمركز اقتصادي: من تجارة الحرير لغاية صناعة السكر والورق

زمان، قوص كانت قطب رئيسي في تجارة البن والحرير والتوابل اللي كانت بتيجي من الهند والصين. واليومين دول، المدينة لسه تحتفظ بدورها الكبير في اقتصاد محافظتنا، محافظة قنا.

  • مصنع سكر قوص: بصراحة، ده واحد من أكبر حصون صناعة السكر في الشرق الأوسط كله، لأنه بيعتمد على أراضي قصب السكر الواسعة في قرى "المخزن"، و"المسيد"، و"الجمالية" اللي بتنتج أطنان. ووقت "موسم العصير" في الشتا، المدينة دي بتتحول لخلية نحل شغالة ليل نهار، قطارات الديكوفيل بتملى الشوارع وهي شايلة "دهب الصعيد الأخضر" ده، وده تشوفه بعينيك.
  • شركة قنا لصناعة الورق: ودي بتستغل "مصاص القصب" (اللي هو بقايا القصب بعد ما يعصروا منه السكر) عشان تنتج أحسن أنواع ورق الجرايد والكتابة، وده يخلي قوص نموذج نفتخر بيه في الصناعات المتكاملة اللي بتوفر فرص عمل كتيرة لشبابنا.

روح أهل قوص الشعبية وثقافتهم الأصيلة

أهل قوص معروفين بـ "عنجهيتهم الطيبة" (زي ما بنقول بالصعيدي معناها إنهم ناس معتزين بنفسهم وشرفاء وعايشين بكرامة وشموخ)، وكرمهم اللي يضرب بيه المثل في كل مكان. البلد والقرى اللي تبعها زي "مقرب" و"العليقات" و"الشعراني" لسه محتفظين بتقاليد "المرماح" (اللي هي سباقات الخيل العربي الأصيل) في الموالد والأعياد الشعبية، ودي بتضيف بهجة على المكان.

والمميز كمان في أهل قوص، إن البلد دي مشهورة بمجالس العلم والصلح العرفي، العائلات الكبيرة ليها دور مهم قوي في حل أي خناقة أو مشكلة بين الناس، وده بيحافظ على هدوء البلد وسكونها، وده اللي بيميز قنا كلها مش قوص بس. الأستاذ كامل من أبو دياب، كان يقول لي: "لما يختلف اتنين، تلاقي كبار العائلة هم اللي بيحسموا الأمر بالحق والعدل، من غير ما حد يتظلم".

المعالم الأثرية اللي بنشوفها واللي لسه مدفونة في قوص

غير مسجد العمري اللي ذكرناه فوق، قوص فيها بقايا مباني أثرية ممكن تكون مجهولة ومذهلة في نفس الوقت، بس يمكن مفيش حد بيتكلم عنها كتير:

  • البوابة اللي باقية من معبد قوص الفرعوني: دي بوابة كبيرة قوية، ترجع لعهد البطالمة، عليها نقوش دقيقة للملك بطليموس وهو بيقدم قرابين للآلهة، ودي بتوريك إن كان فيه معبد ضخم وكبير تحت بيوت المدينة القديمة، محتاج مننا اهتمام.
  • ضريح العارف بالله الشيخ الساكت: ده مكان بيقصده المريدين في الأعياد والمناسبات الدينية، وتشوف فيه الاحتفالات الروحانية.
  • وكالة قوص الأثرية: دي كانت زمان مكان لتخزين بضاعة التجار والمسافرين القادمين من كل حتة، وبالرغم من إن الزمن ساب علامته عليها وكتير من أجزائها انهارت، بس بقاياها لسه بتحكي عن قصة التجارة الغنية زمان.

رحلة داخل أسواق قوص: نكهة الصعيد الأصيلة

يا جماعة، زيارتك لقوص مش هتكمل إلا لما تلف في سوق "الخميس" بتاعها. الزحمة هنا ليها طعم غير أي زحمة تانية؛ من اللي بيبيعوا "الجلاب" (الحلوى المشهورة بقصب السكر عندنا في نجع حمادي وشرق قنا) لغاية تجار المواشي ومنتجات الفخار اليدوي اللي بتيجي مخصوص من "جراجوس" اللي ليها سمعتها. هنا هتلاقي كمان "الفراكة" (اللي هي المنسوجات اليدوية الجميلة) اللي اشتهرت بيها قرية حجازة، واللي كانت بتتصدر زمان للسودان ولبلاد أفريقيا. والله، دي تجربة ما تتعوضش بأي مال. أم أحمد من قوص، لخصت كل ده بكلمتين اثنين: "سوق الخميس ده، هو روح قوص وحياة أهلها".

التطور العمراني والتحديات اللي جاية

في سنين قليلة فاتت، قوص شافت وش تاني خالص في بنيتها التحتية، وده كله بفضل مشاريع "حياة كريمة" اللي غيرت شكل قرى المركز كله وحولتها لقرى نموذجية. المدارس اتطورت واتبنت مدارس جديدة، واتعملت مجمعات خدمات حكومية بتسهل على الناس، وشبكات الرصف اتحسنت بشكل ملحوظ. ومع كل ده، لسه المدينة بتحلم بمزيد من الاهتمام بالآثار والسياحة، خصوصاً إن فيه كنوز مدفونة تحت الأرض محتاجة بقى لناس متخصصة يطلعوها ويرمموها بجد، عشان قوص تتحط على خريطة السياحة العالمية جنب الأقصر وقنا كمان.

ليه قوص تعتبر "قلب" محافظة قنا النابض؟

قوص قاعدة زي البيه في نص المسافة بين الأقصر اللي كلها سياحة بتجذب السياح من كل حتة في الدنيا، وقنا اللي هي عاصمة المحافظة. الموقع ده خلاها زي كوبري جميل بيربط بين الثقافة الأصيلة والتجارة اللي بتجيب الخير. لما تتكلم مع راجل من قوص، هتلاقي الفخر مالي عينه ومغطي وشوشهم، فخر بيعدي حدود الجغرافيا، وكأنه شايف نفسه وريث عاصمة الصعيد القديمة. الكبرياء ده بيشجع الناس إنها تعمل مبادرات حلوة، عشان كده بنشوف جمعيات أهلية وشبابية في قوص شغالة على تجميل الميادين وتطوير المستشفيات بجهودهم هما الذاتية.

أسئلة بنسمعها كتير عن مدينة قوص

1. إيه السبب اللي خلى قوص تتسمى بالاسم ده؟ الاسم ده يرجع لأيام الفراعنة "قوس" (Qos)، وكان معناه "المدينة المحروسة" أو "المدينة المقدسة" عشان كان فيها عبادة الإله حورس، وبعدين أيام الأقباط سموها "قوس بربي".

2. ممكن نزور المسجد العمري في قوص في أي وقت؟ أيوة يا فندم، ا مسجد العمري قوص مفتوح في أوقات الصلاة الخمسة، وبيستقبلوا فيه الزوار والباحثين اللي بيدوروا على جمال العمارة الإسلامية القديمة، بس لو عايز تشوف المنبر الأثري عن قرب، يفضل تتصل بإدارة الأوقاف في المدينة وتنسق معاهم عشان يفتحولك.

3. إيه هي أهمية قرية جراجوس اللي تبع قوص؟ قرية جراجوس معروفة بمركز صناعة الفخار اليدوي اللي عمله الأب "ليون مونس" في الأربعينات، ومنتجاته ليها لون أخضر مميز ورسومات فرعونية وقبطية دقيقة، وبتتعمل ليها معارض سنوية في القاهرة وبره مصر كمان وبتتباع بفلوس غالية.

4. إزاي أقدر أوصل لمدينة قوص لو أنا جاي من القاهرة؟ سهلة خالص يا عم، ممكن تيجي بالقطارات بتاعة الصعيد (محطة قوص أساسية لمعظم القطارات اللي جاية من القاهرة)، أو ممكن تيجي من الطريق الصحراوي الشرقي السريع، وهي بتبعد عن مطار الأقصر الدولي حوالي نص ساعة بس بالعربية مش أكتر.

يا ناس يا محترمين، مدينة قوص دي مش مجرد مكان على خريطة كبيرة في صعيد مصر، دي حتة من روحنا، فيها عظمة التاريخ اللي يفتخر الواحد بيه، وجمال الصناعة اللي بتجيب الرزق. من منبر مسجد العمري قوص الشامخ اللي واقف زي الجبل من سنين، لغاية مداخن مصانع السكر الضخمة اللي بتعانق السما في هدوء، المدينة دي لسه بتحكي عن عبقرية المكان والناس اللي عايشين فيه. بندعي كل واحد بيدور على الأصالة والهدوء، وكل واحد بيحب تاريخ مصر الإسلامي والفرعوني، إنه يحط قوص دي في خططه الجاية للزيارة؛ عشان في حواريها القديمة هتلاقي قصص لسه ماحدش حكاها، وفي كرم أهلها هتعرف المعنى الحقيقي لـ "صعيد مصر الطيب" اللي بنعتز بيه كلنا. جرب كده تمشي في شوارعها الضيقة، اشرب لك كوباية "مشروب القصب" الطازج من أي محل، واسمع حكايات أهلها الكبار اللي شايلين التاريخ على كتافهم، ساعتها بس هتعرف إن قوص دي كانت وهتفضل، جوهرة الصعيد اللي بنطوقها في عينينا زي الذهب.