يا أهلنا الطيبين في قنا الصعايدة، يا كنجات الأرض والجدعنة! كل سنة، مع بداية يناير، عينينا كلها بتبقى على الغيطان الخضرا الواسعة. مش مجرد زرع وخلاص، ده دهبنا الأخضر، عصب الحياة بتاعنا. أنا صحفي صعيدي زيكم، من قنا، وبصراحة، كل حبة سكر بتطلع من أرضنا فيها حكاية تعب وكفاح.
من أبوتشت اللي في شمال قنا، لغاية قوص جنوب، تشوف بعينك لوحة ما لهاش مثيل، لون أخضر فاتح وغامق، بتقول إن هنا فيه رجالة بتفهم في الأرض، بتطلع قوت يومها وقوت بلدها. ده مش بس قصب السكر قنا، ده رزق آلاف الأسر، في نجع حمادي ودشنا وفرشوط وكل مكان. المقال ده مش مجرد كلام، ده حكي عن حياة كاملة، عن الزرعة دي اللي بنسميها "عصب الصعايدة"، وعن اللي بنستناه من موسم توريد قصب قنا، ومش بننسى التحديات اللي بتواجه فلاح الغلابة وسط كل المتغيرات اليومين دول.
خريطة القصب في قنا: فين الذهب الأخضر؟
والله العظيم، ما تلاقيش قرية في قنا مش مزروعة قصب. ده شيء أساسي زي الماية والهوا. فيه مراكز معينة بتبقى رائدة في الموضوع ده، والسبب مش بس الأرض الطيبة، لأ ده كمان قربها من مصانع السكر الأربعة الكبيرة اللي عندنا في المحافظة.
- نجع حمادي: دي قلب الحكاية. المصنع بتاعها قايم من أيام جدودنا، وشجر القصب فيها ملو العين. أهل بهجورة والرئيسية هناك بيعتبروا من أكفأ الناس في إنتاج قصب السكر، واللي بيطلعوه ده حكاية تانية خالص.
- دشنا: دي برضه من المراكز القوية، وعندهم مصنع سكر دشنا اللي بيعتبر قلعة تانية. بصراحة، أراضي السمطا وأبو مناع دي بركتها باينة، وخصوصًا القصب الخلفي بتاعهم، بيبقى حاجة أصيلة مية في المية.
- قوص: يا سلام على أهالي قوص! دول يوردوا بكميات تخلي المصنع بتاعهم يشتغل ليل ونهار. مصنع سكر قوص بيستقبل أطنان أطنان كل سنة، خاصة من قرى حجازة وجراجوس اللي قصبهم عمره ما بيخيب.
- فرشوط وأبو تشت: دول يا جماعة، رغم إن ما فيش مصنع سكر في قلبهم بالظبط، إلا إنهم بيوردوا كميات رهيبة لمصنعي نجع حمادي ودشنا. أهل البلد هناك شاطرين وبيطلعوا أحسن قصب، وبيشيلوا المصانع دي على كتفهم.
متى بنزرع قصبنا؟ مواعيد الزراعة والدورة في صعيدنا الطيب
رحلة قصب السكر قنا بتبدأ من تحت الأرض، وليها وقتها وناسها اللي بتفهم فيها. فيه نظامين للزراعة، وكل فلاح بيختار اللي يناسبه حسب خطته في تجهيز الأرض بتاعته.
الزراعة "الخريفي"
دي بتبدأ من شهر سبتمبر كده، وتفضل ماشية لغاية نوفمبر. أهل دندرة وأبو الحود بيحبوا العروة دي بالذات. ليه؟ لأن القصب بياخد راحته في النمو، بيكبر كده على مهله قبل ما الشتاء بتاعنا ييجي. ده بيخلي العود يطول، و"الحلاوة" بتاعته تبقى زي الفل.
الزراعة "الربيعي"
أما دي، فبتبدأ من نص فبراير كده لغاية آخر مارس. دي أكتر عروة منتشرة بين الناس، لأنها بتيجي بعد ما بنخلص "الكسر" وتطهير الأرض من زرع السنة اللي فاتت. يعني أرض فاضية، ييجي القصب الربيعي يزرع فيها ومالهاش حل.
توريد قصب قنا: رحلة من الغيط لقطارات الديكوفيل
لما يجي موسم توريد قصب قنا، دي مش مجرد عملية عادية. دي لوحة فنية، شغل متقن بيبدأ لما أوامر التوريد بتيجي من المصانع. تعالى نشوف الغيط بيبدأ رحلته إزاي:
- الكسر (الحصاد): الشغل ده يدوي، بالمنجل، واللي بيعمله ده فنان. بيعرف يقطع العود صح من جذوره، عشان نسبة السكر تبقى عالية وما نخسرش ولا حتة حلاوة.
- التنظيف (التَقْشير): بعد الكسر، بنشيل الأوراق الناشفة ("السفير") والقمة الخضرا الفوقانية ("الزْعزوعة") عشان القصب يبقى نضيف وجاهز.
- التحميل: بنشيل القصب ده إما على عربيات نقل كبيرة، أو على "قطار الديكوفيل" الشهير بتاعنا، اللي خطوطه بتعدي في أغلب طرقات قنا، ده تقليد ما نقدروش نستغنى عنه.
- الميزان: لما القصب يوصل المصنع، بيتوزن على الميزان الكبير. هنا بيتبدأ حساب الفلوس، هنا كل تعب الفلاح بيتحول لفلوس.
أسعار التوريد: حكاية صعبة بين اللي بنصرفه واللي بنكسبه
سعر توريد قصب قنا ده بقى يا جماعة، بيتكلموا فيه في كل دواوين العمد، وفي كل البيوت. ده ميهم الفلاح الغلبان. الجمعية العامة لمزارعي القصب في قنا صوتها دايماً بينادي بزيادة السعر، عشان يواكب الغلا اللي كل يوم بيزيد في:
- أسعار الأسمدة: يا عالم، اليوريا والنترات دي غذاء القصب، وبقت نار!
- أجور العمالة: يومية العامل في قنا بقت غالية حبتين، وده طبيعي عشان الغلا اللي حوالينا.
- تكلفة الري: السولار ده بقا حلم، وصيانة المواتير بقت ميزانية لوحدها.
الدولة، ربنا يكرمها، استجابت في المواسم اللي فاتت ورفعت سعر الطن، وده ريح الناس شوية. بس لسه طمعانين في "حافز" أكبر، عشان الناس تقدر تكمل زراعة القصب ده اللي هو روح البلد.
القصب مش سكر وبس: الصناعات اللي بتطلع منه في قنا
مين قال إن قصب السكر قنا بيطلع سكر بس؟ ده "منجم" بالمعنى الحرفي للكلمة! بيطلع حاجات تانية كتير بتشغل عيالنا وتفتح بيوت:
- تلاقيه في الورق: مصنع ورق قوص ده، بيقوم كله على "مصاص القصب" اللي بيطلع بعد ما العود يتسحق.
- تلاقيه في الخشب: بواقي القصب الصلبة دي، بتتحول لألواح خشب حبيبي في مصنع نجع حمادي.
- تلاقيه في الكحول والمولاس: دي منتجات تانية مهمة بتدخل في أدوية وحاجات كيميائية وغذائية.
- تلاقيه في العسل الأسود: آه يا جمال العسل الأسود بتاعنا! العصارات القديمة في فرشوط وأبو تشت بتعمل أحلى عسل أسود مصري، من قصب قنا الصافي. يا سلام على ريحته وطعمه!
تحديات بتواجه فلاح قنا الصعيدي
رغم كل الخير اللي بيجي من القصب، فيه عوائق بتواجهنا، وأهلنا والمسؤولين كلهم بيحاولوا يلاقوا لها حل:
- تغير الجو: موجات الحر الشديدة اللي شفتها أنا بعيني في المحروسة وجرجا، بتأثر على الزرع وعلى احتياجه للماية.
- الديكوفيل بتاعنا: سكك الحديد بتاعته دي عمرها طويل، وبتتلكع ساعات وتخلي القصب يتأخر على طول المصنع، وده بيقلل من نسبة السكر بتاعه. شفت بعيني قصب قاعد على الجرار نص يوم بسبب عطال الديكوفيل.
- الأمراض والآفات: حشرات زي "الثاقبات" وأمراض زي "التفحم"، دي عايزة عين قوية ومتابعة من الجمعيات الزراعية، وعايزين مبيدات كويسة.
الري الجديد: هل ينفع في أرضنا؟
البلد دلوقتي بتشجعنا في المحروسة والترامسة إننا نسيب الري "بالغمر" ونتحول للري "بالتنقيط" أو "المطور". بيقولوا إن ده:
- هيوفر ماية كتير: وده شي واجب نحافظ عليه.
- السماد هيوصل صح: هيتوزع مظبوط على الجذور، وده بيطعم الزرع كويس.
- الفدان هينتج أكتر: من 35 طن لـ 40 طن، ممكن نوصل لـ 50 طن كمان! والله ده كلام زي الفل. بس المشكلة يا جدعان، إن تكلفة الشبكات الجديدة دي غالية، خاصة في أراضينا القديمة اللي كلها حتت صغيرة. يا ترى هتنفع ولا لأ؟ ده اللي الأيام هتبينه.
موسم الكسر: مش مجرد شغل، دي طقوس أهل قنا
والله العظيم، موسم توريد قصب قنا ده مش مجرد تعب وشغل، ده "فرح" بحد ذاته! ده عيد عندنا. في الوقت ده من السنة، يعني من يناير لغاية شهر 5 كده، شوارع قنا التجارية في شارع الجميل وورا الأحراز في نجع حمادي بتنتعش والناس كلها بتشتغل. الفلاحين بيشتروا طلبات الجواز لولادهم، ويفرشوا بيوتهم بعد ما يقبضوا فلوس السكر. ده غير إنك تلاقي بياعين القصب الطازج على كل طريق سريع، والمسافرين طول الصعيد بيقفوا يشربوا أحلى عصير قصب من زرعنا. دي أجواء ما تلاقيهاش إلا هنا.
نصايح لأجل عود قصب أثقل في قنا
لكل فلاح نفسه في خير كتير من أرضه، فيه كام كلمة كده لازم يسمعها:
- امشي على الصنف الصح: فيه شتلات معتمدة زي "س 9" بتطلعها مراكز البحوث، امشوا عليها.
- اخموا الأرض كويس: الحرت بعمق بفايدة، بيخلي جذور القصب تمتد وتاخد راحتها.
- سمد في الوقت المناسب: الفوسفات والأزوت دول روح القصب، أديهم في ميعادهم قبل ما تربط القصب.
- نضف من "الحشيش": أي حشيش ينضف من "البواكي" أول بأول، عشان ما يسحبش غذاء القصب بتاعنا.
المنظومة الرقمية: تسهيلات لولادنا
شركة السكر والصناعات التكاملية بدأت تطبق نظام "الرقمي" لتوريد القصب. الفلوس دلوقتي بتتصرف عن طريق كروت "ميزة" أو البريد. بصراحة، ده قلل الزحمة في المصانع، والفلوس وصلت لأهلنا في الوقف ونقادة أسرع. دي خطوة كويسة خالص.
سؤال وجواب عن قصب قنا
1. طيب، يا عم الحاج، مصانع قنا بتبدأ عصر القصب رسميًا امتى؟ عادة بتبدأ المصانع، زي قوص ونجع حمادي، في أول أسبوع من يناير. وبتشتغل لغاية أواخر مايو أو يونيو، على حسب كمية القصب اللي بيوردوها.
2. هو فدان القصب بيطلع كام طن كده في قنا؟ متوسط الإنتاجية بيتراوح من 35 لـ 45 طنًا للفدان، لو الأرض كانت كويسة. وممكن يوصل لـ 55 طن لو مشينا على أنظمة الري الحديثة والتسميد الصح.
3. بيحسبوا "الحلاوة" (نسبة السكر) إزاي دي؟ يا عمي، فيه كيميائيين في المصانع، بياخدوا عينات عشوائية من القصب اللي بتوردوه، وبيحسبوا منها نسبة "السكروز". ومن هنا بيعرفوا جودة القصب، وده اللي بيفرق في الفلوس اللي بتاخدها يا فلاح في الآخر.
4. يا ترى فيه أمل نزرع قصب في أراضي قنا الصحراوية الجديدة؟ آه طبعا، فيه تجارب نجحت بالفعل في الظهير الصحراوي بتاع مدينة قنا الجديدة ومناطق في "هو" بنجع حمادي. بس ده كله بيعتمد على الري بالتنقيط ومياه الآبار. يعني عايز استثمارات كبيرة.
خاتمة: قنا ومستقبل أخضر طول السنين
عشان قصب السكر قنا يفضل ديماً موجود، ويجيب الخير لأهلنا، لازم كلنا نشتغل مع بعض. من جانب الدولة، لازم نوفر أسعار كويسة ترضي الفلاح وتغطي مصاريفه اللي بتزيد. ومن جانب الفلاح القنائي الصعيدي الجدع، لازم نتبنى الأساليب الجديدة في الري والزراعة. قنا هتفضل ديماً هي عاصمة السكر، وموسم التوريد ده هيفضل هو عيدنا الكبير اللي بنستناه كل سنة. لو أنت لسه شاب وباديء في الأرض، أو بتفكر تستثمر، انصحك تدرس أرضك كويس، وروح للمرشد الزراعي بتاعكم. مش هتلاقي أحسن من القصب عشان تبني بيه عمار لأجل مستقبل محافظتنا.
