رئيس التحرير: عمر عبدالله
سياحة٢١ مايو ٢٠٢٦

المواقع الأثرية في نقادة وما لا تعرفه عنها

بقلم: عمر عبدالله

استكشف أسرار اثار نقادة ومقابرها التاريخية في قنا. رحلة معرفية فريدة تكشف خفايا أول حضارة في التاريخ المصري القديم وهرم نقادة المنسي وتراثها القبطي.

يا أهل قنا الأعزاء، وأنتم قاعدين على قهوة الصبح في قفط، أو يمكن وأنتم راجعين من الغيط بعد صلاة الفجر في دشنا، عمر الفكرة دي خطرت على بالكم؟ هو إحنا بس ولاد اللي بيحصل دلوقتي؟ ولا لينا جذور ضاربة في الأرض، أقدم بكتير من اللي بنشوفه في التلفزيون عن الأهرامات والأقصر؟ بيني وبينكم كده، لو جبنا سيرة "مصر القديمة"، أغلبنا عقله بيقلب تلقائي على "الهرم الأكبر" أو "أبو الهول". بس يا سادتي، السر الحقيقي، بداية الحكاية كلها، اللبنة الأولى اللي اتبنت عليها صرح الحضارة الضخم ده، كل ده اتحط هنا، جنبنا بالظبط، في حتة اسمها نقادة.

نقادة اللي بنعدي عليها بسرعة كل يوم في طريقنا أسيوط، أو يمكن بنسمع عنها أنها مشهورة بصناعة الفركة والمنسوجات الصعيدي الأصيلة، دي يا إخواتي مش مجرد بلد عادي. تحت ترابها وشمسها الحامية، وفي حضن جبالها الغربية الشاهقة، فيه حكايات لو قدرت تحكى نفسها، هتغير نظرتك لتاريخ الدنيا كلها. "ناقيت" زي ما كان الفراعنة بيسموها زمان، كانت قلب الحضارة النابض، قبل ما يجي الملك مينا ويوحد القطرين. يعني نقادة دي كانت "المصنع الأم" اللي طلع منها كل حاجة.

نقادة: كانت عاصمة زمان.. قبل ما يتقال فيه "عواصم"!

طيب يا جماعة، مين فينا يقدر يقول إن تاريخ مصر، من غير ما نبعزق كده في تراب ومقابر نقادة، هيكون كامل؟ والله ده كلام كبير ويتحط كده في سجلات التاريخ، مش أي كلام. المقابر دي يا جماعة، العلماء والباحثين صنفوها على مستوى العالم إنها أهم حاجة تساعدنا نفهم فترة زمنية سموها "ما قبل الأسرات". القصة بدأت من زمان قوي، لما العالم الإنجليزي الفذ اللي اسمه فلندرز بتري اكتشف إن نقادة دي مش مجرد قرية نايمة على النيل، دي كانت مركز قوة وإقليم كامل متكامل. حضارة نقادة مش مرحلة واحدة، لأ دي تلات مراحل متتالية (نقادة 1، و2، و3)، وكل مرحلة منهم، تلاقي أهلها دول بيتطوروا بشكل يبهر العقل ويوقف له الشعر، في صناعة الفخار المتقن، وفي السكاكين اللي دقتها زي الليزر، وحتى أدوات الزينة اللي كانوا بيلبسوه ويلبسوها نسوانهم.

التطور ده يا أهل البلد، ما كانش كده جاي بالفهلوة أو الصدفة، لأ ده كان دليل قاطع على إن المجتمع كان منظم، ومتقسم طبقات كمان، زي دلوقتي وأكتر. القبور اللي اكتشفوها في جبانات غرب نقادة، بتوريك إزاي الحاكم كان بيتميز عن الناس العاديين؛ تلاقي معاه حاجات غالية الثمن، أواني مصنوعة من الحجر الشست الأسود اللامع، وسكاكين من الزلط الصوان الحاد زي الموس، ومقابضها كانت من العاج الأبيض المنحوت بدقة شديدة، تقول كده إنها معمولة بآلات حديثة من عصرنا، مش بإيدين بشر من آلاف السنين. بصراحة كده، أي حد يشوفها دلوقتي يقول عليها شغل فنان عالمي، من اللي بتغلى قطعه بالملايين!

مقابر نقادة: زي الصناديق السودا اللي بتحكي كل تاريخنا

لو نزلت تتمشى كده في المنطقة اللي ورا مدينة نقادة، كده ناحية القرى اللي زي "كوم بلال" و"طوخ" و"المحروسة"، صدقني، هتحس إنك واقف فوق آلاف السنين من الأسرار المدفونة. المقابر دي مش مجرد حفر في الأرض ومليانة عظم، لأ دي دليل قاطع على إن الناس دول كانوا بيفكروا في الموت والحياة اللي بعده، قبل ما يكتبوا أي كلمة على جدران المعابد أو البرديات. والمفاجأة اللي تصدمك وتخليك تفكر كده: إن أهل نقادة دول هما أول ناس دفنوا موتاهم على وضع الجنين، وخلو وش الميت ناحية الغرب، ودي فكرة فضلت ماشية معاهم آلاف السنين بعديها، لحد ما جت الأديان السماوية.

المقابر دي متنوعة، يعني مش كلها شكل واحد؛ فيه اللي تلاقيه مجرد حفرة بيضاوية بسيطة في الرمل، وفيه اللي اتطور وبقى أوضة كاملة مبنية بالطوب اللبن المحروق في آخر أيام حضارة نقادة التالتة. والأعجب من كل ده، إنهم لاقوا كميات فخار ملونة بالأحمر والأسود، عليها رسومات لحاجات من النيل، نعام طويل الرقبة، مراكب شراعية. يعني دي بتحكيلنا بالمللي إزاي كانت طبيعة قنا من 5000 سنة يا جماعة! والله كان زمان النوبة ممتدة لحد هنا، والنيل أوسع وأجمل.

هرم "نقادة" اللي معظم الناس ما تعرفش عنه أي حاجة

بصراحة كده، مين فينا يعرف إن نقادة عندها هرم؟ أيوه، زي ما بقولك كده بالظبط. اسمه "هرم كوم الحيري"، أو هرم نقادة. الهرم ده مرمي كده في الصحرا لوحده، ورا القرى اللي ناحية غرب نقادة، بعد ما تعدي الكوبري بتاعها. هو مش كبير كده وضخم زي أهرامات الجيزة اللي بنشوفها في التلفزيون والكتب، لأ ده هرم مدرج صغير كده ومتواضع، مبني من الحجر الجيري اللي موجود في المنطقة دي. والله أنا لما سمعت عنه الأول، ما صدقتش أذني!

الناس اللي دارسة التاريخ بتقول إن الهرم ده يرجع لآخر أيام الأسرة التالتة أو أول الرابعة، يعني أيام الملك "حوني" أو "سنفرو"، الأب المؤسس. الغريبة بقى إن الهرم ده مش مقبرة! يعني ولا لاقوا فيه أوض للدفن ولا حتى تابوت واحد. علماء الآثار اللي من جامعة جنوب الوادي في قنا، والناس الأجانب اللي بتيجي هنا تعمل حفائر، بيقولوا إن الأهرامات الصغيرة دي، اللي فيه منها سبعة في مصر كلها (ونقادة دي واحدة من الأماكن اللي احتضنت واحد)، كانت مجرد رموز كده للسلطة الملكية في الأقاليم، وعشان تثبت نفوذ الملك. أو يمكن كانت رمز للتلة الأساسية اللي بدأ منها خلق الدنيا في معتقداتهم زمان. بصراحة كده، الهرم ده لوحده حكاية عايزة مقال كامل يتكتب عنه وينور صفحات الجرايد المحلية.

طوخ وبلاص: البلدين اللي صنعوا تاريخ الصناعة القديمة.. من الألف للياء

اسم نقادة ده يا جماعه لو ذكرته في أي مكان، لازم تذكر قريتها اللي اسمها "طوخ". البلد دي مش أقل أهمية أبداً عن مدينة نقادة نفسها. هنا في الحتة دي، لاقوا أكبر تجمع للناس اللي كانوا عايشين قبل الأسرات، وشفنا فيها آثار لا تقدر بثمن. طوخ دي كانت زي "المنطقة الصناعية" أيامها، وكانت هي اللي بتربط النيل بطرق التجارة في الصحرا الغربية، لحد ما توصل للواحات البعيدة.

آثار نقادة في منطقة طوخ كشفت لنا عن "لوحات صخرية" نادرة جداً، عليها رسومات حية لرحلات الصيد وبعض الطقوس الدينية الغريبة. وبعدين يا جماعة، شهرة المنطقة دي في صناعة "الفخار القناوي" و"البلاص" اللي بنشوفه بمالي عتب البيوت، مش صدفة أبداً، لأ دي أصلها مهارة بيتوارثوها الأجيال من آلاف السنين، من أيام "العصر الحجري الحديث". يعني صانع الفخار القديم بتاع زمان في نقادة كان بياخد طين النيل الأسود يخلطه بالتبن الناعم ويعمل أواني وأدوات، الأواني دي دلوقتي محطوطة في فترينات متاحف لندن وباريس، ومحدش عارف قيمتها الحقيقية أكتر من أهلها اللي صنعوها.

نقادة ودورها الكبير في الدين والسياسة زمان.. قبل الميلاد بآلاف السنين

زمان، نقادة دي كانوا بيسموها "نوبت"، الكلمة الإغريقية دي تطلع من كلمة "نوب" ومعناها "الدهب الخالص". هي مش اتسمت كده وخلاص، لأ، دي كانت مركز لعبادة الإله "ست"، إله الصحرا والقوة والحرارة عندهم. والدهب مرتبط بيها عشان نقادة كانت مسيطرة على الطرق اللي بتودي لمناجم الدهب اللي كانت مليانة في الصحرا الشرقية، يعني من الآخر كده، كانت "بوابة الدهب" على مصر كلها.

السياسة بقى في نقادة كانت متطورة جداً، لدرجة إن العلماء بيقولوا على "تجمع نقادة" إنه كان "أول دولة مركزية في التاريخ البشري". من هنا ولعت شرارة توحيد مصر، ومن هنا خرج الملوك الأوائل اللي سيطروا على الشمال والجنوب ورسخوا الحكم. بصراحة كده، كل قطعة أثرية لاقوها في نقادة، بتحكيلك حدوتة ملك عظيم أو كاهن صاحب نفوذ، مكانش معروف اسمه ليك ولا ليا، بس كان ليه دور كبير في بناء أعظم حضارة شافتها البشرية جمعاء.

الكنايس القديمة في نقادة: فن على فن.. وزيادة بركة

ما ينفعش أبداً نتكلم على نقادة ونسيب التراث المسيحي القديم اللي فيها، واللي يضرب بجذوره في عمق الأرض. يا جماعة، نقادة دي معروفة من زمان بـ "مدينة الأربعة الأربعين دير". ده كلام أهل البلد اللي توارثوه عن آبائهم وأجدادهم. أديارها القديمة اللي زي "دير الملاك ميخائيل" المتهيب في صحرا نقادة، ودير "القديس بسنتاؤس" اللي كان أسقف لقنا في القرن السابع الميلادي، كل دي أديرة بتكمل قدسية أرضنا العريقة.

الأديرة دي مش مجرد أماكن للعبادة والصلاة، لأ دي قلاع أثرية مبنية بطريقة معمارية فنانة لا تضاهى، تلاقي فيها القباب المستديرة والمنحنيات الجميلة اللي تتماشى مع جو الصعيد اللي نار ده. لما تزور الأديرة دي، تحس إنك رجعت بالزمن قرون طويلة، تسمع كده في ودنك صوت الترتيل القديم، وتشِمّ ريحة التاريخ الفرعوني اللي حواليها، زي ما يكونوا بيحكوا لبعض حواديت الأيام الغابرة.

ليه نقادة ما خدتش حقها كامل في السياحة؟

بصراحة كده، مع إن مقابر نقادة أهم من وادي الملوك اللي في الأقصر في تأسيس تاريخ مصر، لكنها لسه بعيدة كل البعد عن الشهرة السياحية اللي المفروض تكون فيها. ده بيرجع لطبيعة الآثار هناك؛ هي عايزة ناس متخصصة وفاهمة عشان تفهمها، وتعتمد على الحفر والدراسة والتحليل أكتر ما تكون معابد كبيرة تقدر تتفرج عليها وتلتقط صور. لكن الحمد لله، الفترة اللي فاتت دي، ابتدى الاهتمام يزيد، والدولة بتفكر بجدية أكبر تربط "دندرة" بنقادة وقوص في برنامج سياحي واحد، عشان الناس تيجي وتعرف قيمة المكان ده اللي مالهوش مثيل.

لأهل قنا وزوارها من الغرباء، نقادة دي "متحف مفتوح" على مصراعيه للعالم. ممكن وأنت ماشي كده في حتة جبلية، تلاقي قطعة فخار عمرها 4000 سنة قبل الميلاد (مع العلم إن سرقة الآثار جريمة يعاقب عليها القانون طبعاً، بس إحنا بنتكلم عن قيمة المكان). دي منطقة محتاجة سياحة من نوع تاني، سياحة "تأمل" عشان تعرف إزاي الإنسان بدأ خطواته الأولى على طريق الحضارة المجيدة.

رحلة استكشافية: ازاي توصل لأثار نقادة وتشوف العجب؟

لو قررت تاخدها مغامرة وتطلع رحلة من بلدنا "قنا" وتستكشف، اركب أي "توك توك" أو "سيرفيس" من الموقف اللي جنب المحطة، وهو رايح نقادة. ولما توصل هناك، ممكن تسأل أي حد عن القرى الغربية. فيه شوية محطات مهمة لازم تزورها وتشوفها بنفسك:

  1. منطقة جبانات كوم بلال: عشان تشوف أهم الأماكن اللي لاقوا فيها مقابر نقادة العريقة.
  2. هرم نقادة: ده بقى عايز عربية مخصوصة دفع رباعي، أو "تروسيكل" لو متاح في الصحرا، عشان هو في عمق الصحرا ومش سهل توصل له بالعربية العادية.
  3. دير الصليب: ده من أقدم الأديرة هناك، يرجع للقرن الرابع الميلادي، الدير ده كله بركة.
  4. منطقة طوخ: عشان تشوف بقايا البيوت القديمة والورش اللي كانوا بيصنعوا فيها الفخار زمان بمهارة.

نقادة: علمت البشرية معنى جديد للحياة

اللي قدمته نقادة للبشر ماهواش بس حجارة مرمية وفخار قديم. لأ، دي قدمت "فكر" جديد خالص. في نقادة، الإنسان زمان عرف يعني إيه "ملكية خاصة"، وبدأ يستخدم رموز ورسومات على الأواني، اللي كانت الأساس الأول للكتابة الهيروغليفية فيما بعد. ولو بصيت على آثار نقادة في المتاحف العالمية الكبيرة، هتلاقي فنها كان فيه "تجريد" وقوة تعبير، وكأنهم سبقوا عصرهم. ده خلى فنانين كبار في عصرنا الحالي يستلهموا منه أعمالهم الفنية.

أسئلة وإجابات سريعة عن آثار نقادة (عشان تعرف كل حاجة ومتبقاش جاهل)

1. إيه أهمية حضارة نقادة بالنسبة لتاريخ مصر؟ حضارة نقادة دي هي الأساس المتين اللي قامت عليه دولة مصر الموحدة الشامخة. فيها تلاقي أول علامات التنظيم والإدارة الدقيقة، والفن المتقدم اللي يسبي العقول، والأفكار الدينية اللي فضلت ماشية معاهم آلاف السنين بعد كده، وشكلت معتقدهم.

2. أهم مقابر نقادة فين بالظبط؟ أغلبية المقابر الرئيسية موجودة في الصحرا اللي غرب مدينة نقادة في قنا. بالظبط كده، في الخط اللي بين طوخ ودهمشة وكوم الحيري. المنطقة دي كلها أثرية.

3. هرم نقادة ده ممكن نزوره عادي كده من غير تصريح؟ أيوة، ممكن تزوره عادي، المانع إيه؟ بس خلي بالك، هو في منطقة صحراوية شوية بعد الكوبري، يعني الطريق مش متسفلت ولا ممهد. يستحسن تاخد معاك حد خبير في طرق الجبل هناك، عشان متتوهش وسط التلال الرملية.

4. فيه متحف مخصوص لآثار نقادة في المدينة؟ للأسف الشديد، لحد دلوقتي مفيش متحف مخصوص في مدينة نقادة نفسها لآثارها. معظم الحاجات اللي لاقوها هناك متوزعة بين المتحف المصري الكبير في التحرير، ومتحف الحضارة في الفسطاط، ومتحف الأقصر، وكمان متاحف برا البلاد في أوروبا وأمريكا.

وفي الآخر: نقادة.. صوت التاريخ اللي بيدوي من قلب قنا

يا أهلنا الكرام الطيبيين، آثار نقادة مش مجرد حجارة مرمية أو تراب متكوم وملوش قيمة. لأ، دي صرخة قوية مدوية من الماضي بتقولنا إن أرض قنا دي أرض مبدعين وعباقرة من يومهم، وسبقوا البشرية بسنين ضوئية. لما تزور الأماكن دي وتتأمل في مقابر نقادة الصامدة، هتحس كده بفخر كبير وملوش وصف إنك من أصل مصري عريق ومتأصل في التاريخ. بندعو كل واحد بيدور على المعرفة، وكل اللي بيحب الصعيد وأهله، إنه ميكتفيش بس بالمعابد الكبيرة المعروفة. خصص يوم واحد بس، واصرف جنيهات قليلة (يعني حوالي 20 جنيه مواصلات من موقف قنا)، وانزل استكشف نقادة، المس بإيدك التراب اللي احتضن أولى بذور الحضارة الإنسانية. شجعوا السياحة في قنا، اكتشفوا كنوز بلادكم، يمكن تحت رجليك دلوقتي فيه سر عظيم محدش لسه اكتشفه. تدبروا ملياً، ففي تراب نقادة تكمن روح مصر الخالدة.