رئيس التحرير: عمر عبدالله
مراكز قنا٢١ مايو ٢٠٢٦

مركز قوص.. تاريخ إسلامي وحضارة بتتكلم

بقلم: عمر عبدالله

قوص كانت تاني أكبر مدينة في مصر زمان بعد القاهرة، ولسه فيها آثار ومساجد من العصر الإسلامي.

يا أهلنا وعزوتنا في قنا، من أبو الجود لأبو دياب، ومن أقصى نجع حمادي لأخر فرشوط، وحتى قفط وقوص الحبيبة. كلما تقع عيني على قوص، أو يمر بها قدري، ألاقيني كده باتمالكني شعور غريب، كأن البيوت الحجرية هناك بتنادي، والدروب الضيقة بتوشوش حكايات زمان، وريحة الأجداد لسه محاوطة المكان. قوص اللي نشوفها النهاردة، هادية ومسالمة، أهلها طيبين وقلوبهم مفتوحة، لكن لو قلبنا في كشكول التاريخ، هنلاقيها كانت حتة تانية خالص، قصة عظمة ما تتفوتش، بصراحة كده ومن الآخر، كانت نجمة الصعيد، بل وكانت ثاني أكبر مدينة في مصر كلها بعد القاهرة في عز العصر الإسلامي. متخيلين معايا العظمة دي؟

صورة مسجد قوص

المساجد الأثرية.. حكايات منقوشة في كل حجر

أول لقطة تنجذب ليها عينك، وتخليك تقول "الله أكبر!"، هو المسجد العمري الكبير. يا جماعة الخير، المسجد ده مش بس مصلّى خمس أوقات، ده عالم تاني، متحف حي بيتنفس تاريخ. عدى عليه آلاف السنين، يعني من أيام السلف الصالح، من أول ما الإسلام نور الدنيا دي، بنتكلم في أكتر من ألف سنة مرت عليه. تروح تزوره، تلاقيه واقف كده، صامد وقوي، جدرانه بتنطق بالعز، والأسقف العالية بتشيلك لسماوات الروحانية. والله، كل مرة أطول وأمشي فيه، أحس إني رجعت بضهري للقرون الأولى للإسلام، كأن الإمام اللي حط أساساته لسه مخلص صلاة العصر حالاً. الحرفيين اللي بنوا التحفة دي، كانوا فنانين بمعنى الكلمة. النقوش الدقيقة، الأقواس المزخرفة، الطريقة اللي رفعوا بيها البنيان، كل شبر فيه بيحكي حدوتة. يقول الحاج محمود من نجع حمادي، وهو بيشاور بإيده "المسجد ده يا ولدي، سر بيوت قوص، كل طوبة فيه فيها نبض، فيها دعوة من ناس عاشت هنا واترابت هنا وراحت لربنا هنا". صدق الحاج في كل كلمة.

ولما تخطي عتبة المسجد، تحس بالروحانية كده بتسري في دمك. المكان لسه محتفظ بعبقه، ولسه بيستقبل المصلين في الخمس فروض، زي ما كان زمان بالظبط. مش مجرد مبنى عتّقته سنين، ده قلب قوص اللي عمره ما بطل يدق.

السوق القديم.. ريحة الماضي ومذاق الأصالة

وبعد ما تطلع من عظمة المسجد العمري، وتكون روحك كده ارتاحت، لازم تمشي بخطواتك في السوق القديم بتاع قوص. ده مش أي سوق يا حيبتي، ده من أقدم الأسواق اللي لسه لغاية النهاردة شغالة وبيدب فيها الروح في صعيدنا. بيقولوا إن الأسواق دي هي وريد أي مدينة قديمة، والحمد لله، وريد قوص لسه قلبه بينبض بقوة وعافية.

تمشي بين الحارات، تلاقي كل حاجة تتخيلها، وممكن كمان حاجات ما تجيش على بالك أصلاً. ريحة البهارات الفواحة بتستقبلك من كل حتة، من الكمون البلدي للشطة الحارة للحلبة الخضرا، كأنك دخلت أكبر عطار في الصعيد. وتلاقي القماش الملون كده بينادي عليك، والعبايات الصعيدية الأصيلة اللي لو لفيت الدنيا كلها مش هتلاقي زيها في جمالها وجودتها.

يا سلام، على الأواني النحاسية اللي بتبرق وتشع نور، مرصوصة بترتيب تحس إنها تحف فنية، مش مجرد أطباق وطاسات. وتقعد تسمع صوت دق الشواكيش على النحاس، صوت كده يحسسك إنك عايش في زمن الأجداد. يقول عم حسني، وهو بيبيع فجل في سوق دشنا "سوق قوص ده يا ابني، كل اللي عايزه تلاقيه، وتلاقي الكلمة الطيبة والمعاملة بترد الروح، مش زي أسواق الأيام دي اللي الواحد يكره يدخلها".

والله، عم حسني ده ما قالش غير الحق، في السوق ده تحس بروح الزمن الجميل، الناس كلها فاتحة قلوبها قبل دكاكينها. ممكن تلاقي ست أصيلة قاعدة على الأرض بتبيع خضار طازة من جنينة بيتها، وجنبها راجل كبير في العمر بيصالح طاقية نحاس اتكسرت، أو يلف حتة سلك. والأسعار؟ أسعار زمان يا أصول، يعني كيلو الفلفل الصعيدي تلاقيه بـ 15 جنيه مصري، وكيلو الطماطم الحمرا بـ 10 جنيه، والمواعين النحاسية تبدأ من 200 جنيه للقطع الصغيره اللي تستنفع بيها في البيت، وتوصل لألوف الجنيهات للمشغول والمشكوك والتحف الفنية. كل حاجة هنا ليها قدرها، وليها حكايتها.

الزراعة والصناعة.. قصب السكر عمود البيت

تعالى بقى نغير الموضوع ونتكلم عن قوص زمان ودلوقتي، وأي واحد من قنا يعرف كويس إن القصب ده "ولد بلد أصيل". مركز قوص مش بس تاريخ وحكايات، ده كمان قوة اقتصادية بسيطة لكن مؤثرة بشكل كبير. الأرض الطيبة اللي حواليها، كلها مزروعة قصب، ودي مش مجرد زراعة عادية يا جماعة، دي حياة كاملة أهل البلد عايشين عليها. مصانع السكر الكبيرة الضخمة في قوص، زي مصنع سكر قوص مثلاً، شغالة على طول الموسم من الفجر للمغرب، والدخان اللي طالع من مداخنها بيقولك إن هنا فيه رجالة بتكد وتتعب عشان لقمة العيش الحلال.

زي ما كل الناس عارفة، قصب السكر هو أساس رزق آلاف البيوت هنا. من أول زرعته، لغاية حصاده، لعملية عصره، لحد ما يبقى سكر أبيض نضيف يتباع في كل بيت في مصر. أهل قوص بيشتغلوا في الأرض من قرون طويلة، مش حاجة جديدة. دي توريث وتوارث، دي طريقة حياة متأصلة. تروح قرى زَيّ "الحجيرات" مثلاً، تلاقي كل الناس اللي فيها شغالة في القصب، صغير وكبير، كل واحد ليه دوره المهم. اللي بيقطع القصب، واللي بيلمه، واللي بيحمله على العربيات، واللي يوصل المحصول للمصنع، واللي يحاسب. بصراحة، متعة تشوف الناس وهي بتشتغل بهمّة الرجال، صوت السواقي ومكنات الري، وريحة القصب الأخضر في الهوا، دي لوحة فنية اسمها "الحياة في قوص".

أهل قوص.. أصالة وكرم على مر الزمان

أخيرًا، وما ينفعش نخلص كلامنا عن قوص من غير ما نذكر أهلها، لأنهم هم بجد روح المكان وسر جماله. أهل قوص دول، يا جماعة، معروفين بالأصالة والجذعنة، بالرجولة اللي تشيل الجبل، وبالكرم اللي ما تلاقيهوش في أي حتة تانية في الدنيا. عمرك ما تدخل بيت في قوص إلا وتلاقي أبوابه مفتوحة على مصراعيها ليك، والقهوة الصعيدية بتنادي على اسمك، ولو ما قعدتش وشربت منها، بيعتبروا إنك ما جيتش أصلاً!

تروي أم أحمد من قوص، وهي بتضحك ضحكة صافية "احنا هنا يا ولدي، بنعز الضيف زي أخونا اللي جاي من سفر بعيد، واللي مالهوش أهل، قوص بتلمّه وبتكون أهله". كلام أم أحمد ده عين الحقيقة، أهل قوص دول ناس جدعان بجد، متمسكين بعاداتهم وتقاليدهم الصعيدية الأصيلة لغاية اليوم، رغم كل التغييرات اللي بنشوفها حوالينا. تلاقي "اللمّة" موجودة في كل بيت، وتلاقي "الجدعنة" حاضرة في كل موقف، وتلاقي "السند" وقت ما الشدائد تظهر.

يا جماعة، مركز قوص ده حكاية، مش مجرد اسم نعدي عليه في خارطة. فيه تاريخ مالوش مثيل، وفيه روح أصيلة ما تتكررش، وفيه ناس طيبين تحس معاهم إنك وسط أهلك وناسك. ما تفوتوش فرصة زيارة قوص، تشوفوا بعينيكم حكايات الأجداد اللي محفورة في كل حجر، وتحسوا بقلب الصعيد الأصيل اللي لسه بينبض بقوة وعنفوان.


أسئلة وإجابات متكررة (FAQ) عن مركز قوص:

س1: مركز قوص ده فين بالنسبة لمحافظة قنا؟ ج1: مركز قوص ده واحد من المراكز الرئيسية في محافظة قنا، بيبعد حوالي 30 كيلو متر بس جنوب مدينة قنا. المكان ده متميز بموقعه على النيل مباشرة، وده اللي بيدي له أهمية كبيرة.

س2: إيه الأهمية التاريخية لقوص دي بالظبط؟ ج2: تاريخيًا يا معلم، قوص دي كانت مدينة منورّة ومحورية قوي في مصر، خصوصًا في العصر الإسلامي. في الوقت ده كانت تعتبر تاني أكبر مدينة في البلد بعد القاهرة. كانت مركز للتجارة والعلم مهم جدًا.

س3: إيه أهم الأماكن اللي الواحد يزورها سياحيًا في قوص؟ ج3: أهم مكان وموشوش بالتاريخ هو المسجد العمري الكبير، اللي تاريخه بيرجع لأكثر من ألف سنة ولسه ثابت زي الجبل. كمان السوق القديم بتاعهم ده تحفة شعبية لازم تشوفها، فيه بضايع زمان ومنتجات تقليدية أصيلة.

س4: لسه قوص بتزرع قصب سكر لحد دلوقتي؟ ج4: أكيد طبعًا! زراعة قصب السكر دي هي الرزق الأساسي والعمود الفقري لاقتصاد مركز قوص وكثير من القرى اللي تبعها. هو مصدر دخل رئيسي لأغلب أهل المنطقة هناك. مش زراعة وبس، ده شغل وتراث لكل الأجيال.

س5: أهل قوص دول معروفين بإيه؟ إيه طبعهم؟ ج5: أهل قوص معروفين عندنا بـ "أهل الكرم والجود"، دول ناس أصيلة كده ومحافظة على العادات والتقاليد اللي بتضرب في عمق التاريخ. ضيافتهم المشهورة دي جزء أساسي من شخصيتهم، وبيعتزوا قوي بقيم الرجولة والشهامة والنخوة.