فاكر كويس، من كام سنة كده، كنت ماشي في شوراع نجع حمادي بعد صلاة العشا، واللمبات الصفراء بتاعة المحلات يا دوب منورة الطريق. الدنيا كانت هادية، وأهل البلد قاعدين قدام بيوتهم وبيشربوا شاي بالنعناع أبو قعدة. وقتها فكرت، هو فيه أحلى من قنا دي؟ من أبوتشت اللي بتعدي فيها ترعتنا، لحد قفط اللي بتحمل تاريخنا، كل شبر فيها بيحكي حكاية. قنا دي، يا جدعان، مش مجرد اسم على الخريطة، دي قلب الصعيد اللي بيدق، وحصن الكرم والجدعنة اللي ما يتغيرش.
قنا: حكاية زمن وحاضر يدعو للبهجة
لو حد سألني مرة عن قنا "يعني إيه قنا؟"، هقوله بصراحة: قنا دي مش بس عاصمة لمحافظة اسمها قنا، دي قصة طويلة، عمرها آلاف السنين، مكتوبة على كل طوبة في بيوتها القديمة، اللي شافت سنين وسنين، ومحفورة في ملامح وشوش أهلها الطيبين اللي ما يتغيروش. كل حتة فيها ليها ريحة زمان، ريحة الطين والمحاصيل والجدود اللي ربوا أجيال. دي أرض رجالة أصيلة، وصاجات نسوان بتطحن وتخبز، وعيال بتجري وتلعب في الشوارع الترابية بالفرحة كلها.
موقعها يحكي: فين حلاوتها دي؟
شوف يا سيدي، قنا دي قاعدة كده على النيل من ناحية الشرق، زي ما تكون عروسة قاعدة على كوشة الفرح. موقعها ده خلاها مركز الدنيا لكل اللي عايز يعدي من الصعيد للغردقة أو القصير وسفاجا. يعني بالبلدي كده، دي مفتاح الصحرا والبحر سوا، بضغطة زر. ممكن تطلع من قنا الصبح بدري، وتكون في القصير تشم هوا البحر بعد ساعتين تلاتة بالكثير، بس تكون سايق عدل وممركز في القيادة! وده اللي خلاها طول عمرها ممر تجاري مهم للحرير والبهارات، من أيام الفراعنة لحد النهاردة، ومحدش يقدر ينكر دَوَريتها.
علامات قنا اللي ما تتوهش
-
مسجد ومقام سيدي عبدالرحيم القناوي: والله، ما في زائر بيجي قنا وما بيعديش على سيدي عبدالرحيم. ده شيخ البلد، وليها الكبير، اللي بيجمع الناس من كل مكان، من أسوان لحد القاهرة. تلاقي الست العجوزة جاية برجليها من دشنا بعد مشوار طويل، والمعلم جاي بعربيته البيجو القديمة من فرشوط، وكلهم بيطلبوا البركة والشفاعة. الجو هناك، سبحان الله، فيه راحة نفسية عجيبة، بتحس إن همومك كلها اتمسحت.
-
كورنيش النيل الجديد والقديم: كورنيش قنا، ده متنفس الأهالي، هو دواهم. بعد العصر، تلاقي الناس نازلة تتمشى في هدوء، والأطفال بتلعب بضجيج جميل، والأسر قاعدة بتشرب شاي وبتاكل ترمس وحمص الشام. خصوصًا في الصيف، لما الشمس بتغيب وبتطلع النجوم، بتبقى حتة تانية خالص، كأنك مش في قنا خالص. الجو بيبقى عليل، وشط النيل ده حكاية لوحده ما يشبعش منها قلب. بيقول الحاج محمد من قوص وهو بيشرب الشاي بتاعه على الكورنيش: "نيل قنا ده عمره ما شبع من صلاة العشا".
-
الأسواق الشعبية القديمة: لو عايز تعرف قنا بجد، ادخل سوق المدينة القديم، في الشارع اللي جنب الجامع العمري الكبير. هتلاقي هناك كل حاجة تتخيلها، من الخضار الطازج اللي لسه جاي من الغيط، لحد القماش وقطع الغيار بتاعة المكن القديم. الجو هناك صخب وحركة ما بتهداش، ريحة التوابل والعيش البلدي مالية المكان كله. والله، في مرة كنت معدي من هناك ولقيت راجل كبير بلحيته البيضاء بينادي بصوت يوصل لآخر الشارع: "يا أهل الله، اللي عايز عسل قصب صافي، يا أهل الله". كان منظره بيشد القلب ويسحبك لعنده.
-
متحف قنا الإقليمي (ميت رهينة): آه يا بخت اللي يروح هناك، ده مليان آثار مصرية أصيلة، اللي بتوريك قد إيه قنا دي ليها تاريخ عمره ما ينتهي، تاريخ من أجدادنا الفراعنة.
-
معبد دندرة (حتحور): ده واحد من أروع المعابد في مصر كلها، مش قنا بس، وتصميمه يجنن. لما تدخله تحس إنك رجعت بالزمن آلاف السنين لوراء، كأنك واحد من اللي بنوه. نقوشه، وألوانه اللي لسه محتفظة بجمالها رغم السنين، تخلي الواحد يتوه في عظمة أجدادنا وكفاحهم. بيقولوا إن اللي ما شافش دندرة، ما شافش قنا بجد ولا عرف معناها.
-
الممشى السياحي الجديد: ده إضافة جميلة للمدينة، مكان حلو للتمشية وللراحة في وش النيل، وعليه كافيهات ومطاعم بسيطة تخدم أهل البلد والزوار، بأسعار معقولة.
ما تحكمش على قنا من غير ما تدوقها
الأكل في قنا، ده موضوع تاني خالص يا أستاذ، عايزله مؤتمر.
-
الفول البلدي أبو قشر: ده أساس الفطار الرمزي، طبق فول بصلصة وطحينة، وعليه زيت حار، مع رغيف عيش بلدي سخن من الطابونة، يا سلام على الجمال! اللي ما كلش فول قنا، ما شافش حاجة من الخير.
-
الفطير المشلتت والعسل الأسود: دي وجبة العشاق، فطير سخن كده طالع من الفرن البلدي، مع طبق عسل أسود قناوي أصيل بيلمع، وعليهم طحينة وشوية قشطة بلدي طازة. بصراحة، دي تستاهل الواحد يسافر مخصوص عشانها من آخر الدنيا.
-
الشاي بالنعناع في القهاوي البلدي: انس أي شاي شربته قبل كده في حياتك. في قنا، فنجان الشاي في أي قهوة بلدي (زي قهوة عم عبده في شارع الجميل) طعمه مختلف، بروح وعبق خاص ميتوصفش. تلاقي المعازيم قاعدين، وكل واحد رايق على حاله، وبيسمع حكايات زمان ومشاريعه الجديدة. أم أحمد من قوص كانت بتقولي وهي بتشرب شاي بالنعناع: "الشاي ده أحلى من أي كلام يتقال".
-
المخبوزات التقليدية: في قنا، كل قرية ليها خبزها الخاص. من العيش الشمسي في دشنا ومدينة قنا ذاتها اللي له طعم تاني خالص، لحد العيش المفرود في نجع حمادي، كل واحد له طعمه وحكايته اللي مابتتكررش.
-
أكل البيوت: ما تنساش أكل البيوت في قنا. الفطير باللحمة، الأرز المعمر اللي ريحته بتجيبك من على بعد، الملوخية اللي ليها ريحة وطعم خاصين، كل ده لو دقت منه لقمة، عمرك ما هتنساه وهيفضل في بالك سنين.
أهل قنا: كرم وشهامة مالهاش حل
أهل قنا دول حكاية تانية خالص، حكاية تدرس. الكرم عندهم ده صفة أساسية، مش مجرد واجب أو مجاملة. لو دخلت بيت حد فيهم، والله ما هتخرج إلا وإنت شارب واكل ومحمل بالبركة والدعوات الطيبات. يقول المعلم عوض من الحجيرات وهو بيقدم لك واجب الضيافة: "ضيفنا ده بركة، واللي ما يكرمهوش، خسارة فيه الأصل الطيب". الضيافة هنا مش مجرد أكل وشرب بتحطه قدام الضيف، دي احترام وتقدير للضيف وبإخلاص. الناس هنا جدعة، وتجري على المساعدة لو طلبتها منهم، والكلمة الحلوة عندهم بتسوى كتير وتوزن دهب.
حتى لهجتنا ليها طعم تاني
اللهجة الصعيدية في قنا، ليها مزيكا خاصة. النون اللي في آخر الأفعال اللي بتدي للكلام رونق، واللامات اللي بتلين، بتخلي الكلام يخرج من القلب ويوصل للقلب على طول. تفتكر الراجل اللي كان في سوق نجع حمادي بيقول للست: "يا ست الكل، العسل دا لسه طالع من الخلايا دلوك!" كلام يتشرب زي كوباية الشاي بالنعناع اللي بتعدل دماغك. لاحظت خلال جولتي أن أهل قنا يتحدثون بلهجة لا تبتعد كثيراً عن الفصحى، مما يسهل على الزوار فهمهم.
أسئلة بتدور في بال ناس كتير عن قنا
س: مدينة قنا فين بالظبط؟
ج: بص يا سيدي، قنا دي قاعدة على النيل، في جنوب الصعيد، حوالي 600 كيلومتر كده جنوب القاهرة. يعني مشوار حلو بالعربية (ممكن 7 ساعات) أو بالقطر (ممكن 9 ساعات) بيعدي على منظر النيل والمزارع، حاجة تفتح النفس وتريح الأعصاب. ممكن تاخد قطار Vip أو درجة أولى من رمسيس للقاهرة بيقف في قنا بحوالي 150-200 جنيه.
س: إيه أهم أسباب الزيارة لقنا؟
ج: لو عايز تشوف تاريخ بلدنا بجد، وتزور معابد زي دندرة وتشم ريحة الزمن اللي فات، أو عايز تحضر مولد سيدي عبدالرحيم القناوي وتشوف الناس على حقيقتها وهي متجمعة، أو حتى عايز تذوق أكل بلدي على أصوله وتعيش كرم أهل الصعيد، يبقى قنا هي وجهتك الأنسب. ولو نفسك في مغامرة في الصحرا الشرقية، قنا دي بوابة لكل ده ومتفوتهاش.
س: قنا دي بلد سياحية ولا لأ؟
ج: هي مش سياحية زي الأقصر وأسوان يمكن، اللي بتستقطب أعداد ضخمة من السياح، بس فيها كنوز تستاهل. معبد دندرة مثلاً، ده لوحده يجيب سياح من آخر الدنيا عشان يشوفوا عظمته. وكمان فيها كتير من التراث الشعبي والأصالة المصرية اللي ناس كتير بتحب تشوفها وتتعرف عليها.
س: إيه أحسن وقت أزور فيه قنا؟
ج: أظن أحسن وقت هو الشتا والخريف، يعني من شهر 10 لحد شهر 4 كده. الجو بيبقى لطيف ومناسب للتمشية وزيارة الأماكن الأثرية من غير تعب. في الصيف، ممكن الدنيا تبقى حر شوية وتوصل 40 درجة مئوية، بس لو بتحب الهدوء بعيد عن الزحمة والضوضاء، الصيف برضه له طعمه الخاص.
س: فيه مطاعم حلوة في قنا غير الأكل البيتي؟
ج: آه طبعاً! قنا فيها مطاعم بتقدم أكل مصري أصيل بتاع زمان، وفيه كمان بعض المطاعم اللي بتقدم أكل حديث زي سندويتشات الشاورما السوري أو البرجر. بس نصيحتي، لو عايز تدوق أصل الأكل، شوف أي مطعم شعبي نضيف (زي مطعم الحاج خليل للأسماك) أو جرب أكل البيوت لو عرفت توصل لأهل البلد وضايفوك عندهم. فيه مطاعم على كورنيش النيل في مدينة قنا وفي مدينة دشنا بتعمل أكل سمك طازة على كيف كيفك، بأسعار تبدأ من 100 جنيه للوجبة.
س: الأسعار في قنا عاملة إزاي؟
ج: بصراحة كده، الأسعار مقبولة وفي متناول الأيد، خصوصًا لو قارنتها بأسعار القاهرة أو المدن الساحلية اللي نار. سواء في الأكل أو المواصلات أو الإقامة، هتلاقي الدنيا مريحة جدًا. يعني مثلاً، طبق الفول ممكن يقف عليك بـ10 جنيه، والشاي بـ5 جنيه في القهوة، وإيجار العربية من نجع حمادي لقنا (ذهاباً وإياباً) ممكن 200 جنيه.
س: وأهل قنا دول زي ما بيقولوا عنهم جدعان وكرمة؟
ج: والله، ده كلام قليل في حقهم، مهما قولت مش هقدر أوصفهم. أهل قنا دول أصول الجدعنة والكرم من يوم يومهم. لو مرة بس عرفت واحد منهم، هتلاقي بيتك مفتوح عندهم في أي وقت، وبيعاملوك كأنك واحد منهم، مش مجرد ضيف بيمشي. يقول المعلم حسني من أبوتشت: "رزق الحلال وبركة الضيف، دول عِزة وكرامة لينا".