رئيس التحرير: عمر عبدالله
مراكز قنا٢٠ مايو ٢٠٢٦

مركز فرشوط.. أرض السكر والفلاحة

بقلم: عمر عبدالله

فرشوط من أكبر مراكز قنا في زراعة قصب السكر، وفيها مصنع سكر من أقدم مصانع مصر.

يا صباح الورد والخير عليكم يا أهل قنا الطيبين، يا ناس الكرم والجود! فاكرين يوم الجمعة اللي فاتت، يوم ما الشمس كانت بتضرب في الوش ضرب، وأنا جاي من سوق الحجيرات يا دوبك حطيت الشغلانة على جنب، غمزت في دماغي فكرة كده زي البرق: "إيه رأيك يا واد نروح فرشوط؟ نشم شوية هوا نضاف ونبص على أحوال الناس وبلادها". بصراحة، طول سكتي، عيني ما تشالتش من على مزارع القصب اللي مالية الأرض من أولها لآخرها، خُضرة كده تفتح النفس وتخلي الواحد يحس إن الروح ردت فيه. تحس إن الأرض نفسها بتغني، وكأنها بتنادي بتقولك بصوت عالي: "أنا فرشوط يا واد! أنا أرض السُكر اللي بيحلي البق، وأنا الفلاحة اللي بتجري في العروق!"

فرشوط دي يا جدعان الخير، مش حتة بلد عادية كده معدية في الطريق، ولا مجرد مركز من مراكز محافظتنا الغالية قنا. دي حكاية بتتكتب كل يوم، دي ريحة الزرع اللي بتعجن في تراب البلد وتدخل في الروح، دي نبض الأرض اللي مفيش فيها شبر واحد ما بينطقش عن تعب الفلاح اللي بيشق ويجتهد. كل ما الواحد يروح هناك، يحس إنها بلد ليها طعم تاني خالص، بلد واقفة على تاريخ عتيد، واللي ما شافش فرشوط ولا دخلها، يبقى لسه ما شافش قلب الصعيد الأصيل اللي بينبض بالحياة.

مصنع السكر: قلب فرشوط اللي ما بيهداش لحظة

أول ما تسمع اسم "فرشوط"، إيه اللي يجي في بالك على طول؟ أراهنك هتقولي: "المصنع يا عم الصحفي!". آه والله العظيم زي ما باقول لك كده بالظبط. مصنع السكر هناك ده مش شوية بنيان مبني من الطوب والأسمنت وخلاص، ده زي الأب الحنين للبلد كلها، ده الخير كله، ده اللي قالب عيش الناس. مصنع سكر فرشوط ده يا جدعان، من أقدم المصانع اللي في مصر كلها، واللي ربنا اداله عمر ومد في أيامه. تتخيل يعني إيه مصنع شغال بقاله أكتر من مية سنة بالتمام والكمال؟ يعني أجيال وأجيال اتولدت وعاشت تحت ضله، واشتغلت فيه وطلعت على المعاش، والأطفال الصغيرين اللي بيلعبوا في الشوارع لسه بيشوفوه واقف شامخ كده، زي الشاهد اللي ما بينساش على كل اللي بيعدي عليه الزمن.

أنا، وأنا واقف قدام المصنع ده، حسيت هيبة عجيبة، هيبة المكان اللي حكى كتير وحاضر كتير. مداخنه اللي بتطلع دخانها الأبيض في السما، صوت المواتير اللي ما بتتهدش لا ليل ولا نهار، طول اليوم بتدور وبتطحن. كل ده بيحكي عن تعب وسهر ناس كتيرة وشقيانة. فيه واحد اسمه الحاج محمود، راجل كبير في السن من نجع حمادي، كان بيعدي من جنب المصنع وبيقول كده وهو بيحرك دماغه: "والله يا ولدي، المصنع ده هو اللي معطر عيشنا. ده لو قفل يوم، لا قدر الله، البلد كلها تقع على وشها". كلامه ده عين العقل، كلمة بمليون. المصنع ده بيشغل آلاف الأيادي الشقيانة، مش بس من أهل فرشوط نفسهم، لا ده بيشغل ناس من القرى والجيران اللي حواليها زي أبوتشت وسرادق، وناس بتجي من دشنا كمان. يعني بيوت كتيرة قوي مفتوحة، وأسر كتيرة مستورة، واللقمة الحلال بتخش في بقهم ببركة المصنع ده. الصبح بدري، لو عديت، تشوف الرجالة رايحة لشغلها، وشها منور بجدعنة الشغل، ومعظمهم على أول الطريق يادوبك بيولع سيجارة فحم كده عشان يصحصح دماغه قبل ما المشوار الطويل جوه المصنع يبدأ.

زراعة القصب: دهب الأرض اللي الفلاح بيشقاه

لو ربنا كرمك وروحت فرشوط في موسم حصاد القصب، وده غالبًا بيكون في عز الشتا وأواخر الخريف، هتلاقي البلد دي عالم تاني خالص، عالم خيالي. مشهد كده ما يتنسيش من جماله. الأرض كلها في البلد بتتحول لبساط أخضر كبير مفروش على مد البصر، وريحة القصب المسكر بتفتح النفس وتملأ الجو كله. ووسط الخضرة دي وكل الجمال ده، تشوف الفلاحين يا جدعان، وهم طايبين الأرض، بيقطعوا القصب بمنجلهم الحاد، إيديهم اللي لونها أسمر كده، حكايات بتحكي عن شقى عمر طويل، والشمس اللي ما تعرفش رحمة عليهم ولا بتفرق بين كبير وصغير.

في التوقيت ده بالذات، في موسم القصب ده، الطرق كلها بتبقى زحمة بطريقة مش طبيعية، عربيات الكارو اللي بتشيل القصب بتزاحم بعضها، والجرارات الزراعية الكبيرة ماشية بالراحة كده وعلى مهلها، محملة بأطنان القصب، ووجهتهم كلها طريق المصنع. بصراحة، المشهد ده لوحده عايز كتاب يتكتب. تحس إن الوقت بيقف كده، وكأنك رجعت بالزمن لعصور الفلاحة الأصيلة اللي شوفناها في الأفلام الأبيض والأسود. فيه ست عجوزة كده، تدعي أم أحمد من قوص، كانت بتعدي على الطريق مع ابنها الصغير، وسمعتها بتقول كده لابنها: "يا ولدي، طول ما القصب بخير، أهل فرشوط كلّهم بخير". كلامها ده مش حِكم خابرة، القصب ده شريان الحياة، هو المحصول الأهم اللي أهل البلد عايشين على خيره. لما أسعار القصب بتعلى الفلاح بيرتاح شوية، ولما الدنيا تكسل وتبرك، الكل بيحس بالضيق والهم.

الأسواق: روح فرشوط اللي ما بتهداش

تفتكر إن فرشوط دي قصبتها ومصنعها وبس؟ لا يا معلم، تبقى غلطان! فرشوط فيها أسواق شعبية كبيرة، أسواق ليها روح كده وطابع خاص بيها لوحدها. أنا بنفسي عديت على السوق وقتها، ولقيت ناس جاية من أبو دياب غرب ومن الحجيرات ومن قفط. السوق هناك مش مجرد مكان بتروح تبيع وتشتري فيه شوية طلبات وخلاص، لا ده ملتقى كده للناس، بيقعدوا يتسامروا ويتكلموا، بيتفقوا على جواز، بيتناقشوا في أسعار الأراضي والمواشي، وكل حاجة تتخيلها بتتكلم فيها وتلف حواليها في السوق ده.

هناك تلاقي الخضروات الطازجة اللي لسه الفلاح قاطفها من الغيط قبلها بساعة، والفاكهة البلدي اللي بيقولوا عليها "طعمها يدوخ"، والبهارات بقى اللي ريحتها بتخليك تعمل عطسة كده وتفتح نفسك على الأكل. ده غير الملايات والأقمشة والأدوات المنزلية اللي سعرها رخيص وحاجتها نظيفة. والمنادي بقى صوته عالي في السوق كله، بيعرض بضاعته بصوت تخين. الستات بتفاصل، والرجالة بتتساوم، والعيال الصغيرين بيتجمعوا حوالين بياع الترمس والفول، والدنيا كلها مبهجة وفرحانة. لاحظت خلال جولتي دي في سوق فرشوط إن حركة البيع والشراء نشيطة جدًا، والناس هناك بتحب تشتري من السوق ده بالذات عشان أسعاره معقولة وحاجته نضيفة. عم عطية، اللي عنده محل عطارة في السوق، كان بيقول كده وهو بيبص حواليه: "سوقنا ده معروف يا بيه، الزبون بيجينا من بعيد عشان عارف إن حاجتنا نضيفة وسعرنا حنين على الجيب".

الناس: الشهامة والنخوة عنوان الرجولة

أهل فرشوط، بصراحة، ناس جدعة، ناس أولاد أصول بمعنى الكلمة. ربنا يزيدهم من نعيمه. تتميز أهلها بالشهامة والنخوة والكرم اللي مفيش زيه في أي حتة تانية. لو احتجت حد يسندك، هتلاقي مليون إيد تتمدلك في الحال. عندهم عادات وتقاليد قوية متمسكين بيها من عشرات السنين، زي الضيافة للغريب وإكرام الضيف مهما كان، والمواقف اللي فيها نخوة ورجولة دي تلاقيهم فيها زي الصخر. تلاقيهم وقت الجد واحد، وكلمتهم ليها قيمة كده وثقل.

والله، الواحد بيتعلم منهم حاجات كتيرة. لما تقعد مع شيخ بلد هناك، أو تقعد مع فلاح بسيط، تلاقي كلامهم موزون، وحكمتهم دي تضرب الأمثال. العصبية موجودة شوية في كل الصعايدة يا جدعان، لكن دي طبيعة الصعيدي لما حد يتخطى حدوده معاه، لكن في الأصل، قلوبهم بيضا زي القشطة، وبيحبوا الخير لبعض أكتر من أي حاجة. وده اللي مخلي فرشوط دي بلد ليها طعم تاني، بلد الناس فيها سند لبعضها، بيحافظوا على عادات أهلهم وأجدادهم زي ما هي بالظبط، ما غيروش فيها أي حاجة. بلد لو دخلتها، تحس إنك بين أهلك وناسك، وتشم ريحة الأصالة اللي بتفحفح من كل حتة فيها.

أسئلة وإجابات عن مركز فرشوط

س1: فين بالظبط بيقع مركز فرشوط في قنا؟

يا عم الحاج، فرشوط دي قاعدة كده في غرب محافظة قنا. يعني لو ماشي من قنا ومتجه ناحية الأقصر، هتلاقيها على ايدك اليمين، كده بعد نجع حمادي بشوية حلوين.

س2: إيه أكتر حاجة مشهورة بيها فرشوط؟

يا سيدي، فرشوط دي بنت القصب والسكر. مشهورة بزراعة قصب السكر اللي مالية الأرض كلها، وكمان فيها المصنع التاريخي اللي بيحوّل القصب ده لسُكر بنحطه في شاينا ونحلي بيه حياتنا وصباحاتنا.

س3: هل مصنع السكر اللي في فرشوط لسه شغال لحد دلوقتي؟

طبعاً يا صاحبي، المصنع ده شغال زي الساعة بقاله أكتر من مية سنة بالتمام والكمال. لسه بينتج السكر وبيقوم عليه أهل البلد دي كلها، ده الخير كله بتاعه.

س4: الناس في فرشوط بتعتمد على إيه في معيشتها أكتر حاجة؟

الناس الطيبين هناك، زي ما الكل عارف ومشهور عنهم، اعتمادهم الكبير على الزراعة، وبالذات زراعة القصب. يعني الفلاحة هي عصب حياتهم هناك، هي كل حاجة في يومهم.

س5: إيه اللي بيميز أهل فرشوط عن غيرهم؟

أهل فرشوط دول يا باشا يتميزوا بالشهامة والنخوة الأصيلة اللي مالهاش مثيل، وعندهم عادات وتقاليد صارمة بيتمسكوا بيها لحد النهارده. يعني ناس جدعة وكلمتها ليها قيمة، زي السيف القاطع.

س6: فيه أسواق كبيرة في فرشوط؟ وهل بتخدم مراكز تانية؟

أيوة يا بيه، فيه أسواق شعبية كبيرة زي ما حكيتلك وشوفت بنفسي، وبتجيلها الناس من البلاد والقرى اللي حواليها، زي أبوتشت ونقادة وحتى من الحجيرات ووقف دشنا عشان يشتروا بضاعتهم. ده سوق العمرة ده مشهور هناك والناس بتروحله من كل حد وصوب عشان حاجته النضيفة وأسعاره الحنينة.