رئيس التحرير: عمر عبدالله
مراكز قنا٢٠ مايو ٢٠٢٦

مركز الوقف.. أصغر مراكز قنا وأجملها

بقلم: عمر عبدالله

الوقف من أحدث مراكز قنا، ومشهور بالهدوء والزراعة وقربه من قنا العاصمة.

يا رجال قنا الكرام، يا أهل الأصل والجود، صباح الخيرات عليكم أو مساها حسب ما بيوصلكم كلامي ده. النهاردة هحكي لكم حكاية، قصة حتة من بلدنا كده، يمكن تكون صغيّرة شوية في مساحتها، بس قلبها كبير ومتربي على الخير. أنا بتكلم على "مركز الوقف". بصراحة كده، وأنا ماشية في شوارع قنا وبنجوعها وقراها، الوقف دي بتديني إحساس كده بالولد الصغير اللي في عيلة كبيرة، الكل عارف إنه موجود، بس مش الكل واخد باله أوي من جماله اللي مستخبي جوه.

مركز الوقف.. حتة أرض من قنا مش لازمن ننساها!

فاكرين زمان، قبل سنين طويلة، لما كانت قنا بتتقسم للمراكز؟ الوقف دي مكنتش مركز لوحدها، لأ، كانت مجرد قرية كبيرة، حتة من مركز دشنا الكبير ده. بس أهل الوقف دول، سبحان الله، فيهم إصرار وعزيمة مش موجودة في أي حتة. كانوا بيشوفوا شغلهم في الأرض، ويكدوا ويتعبوا، وفي نفس الوقت، كان في بالهم طموح كده، إنهم يستاهلوا يبقى ليهم كيانهم المستقل، اسمهم لوحده، مركزهم الخاص. وبفضل ربنا، ثم بلفهم ومجهودهم المستمر، وبعدها بقرار من الدولة، تحولت الوقف من قرية لمركز منفصل. يمكن يكون أصغر مركز في قنا كلها، آه، لكن صدقوني يا جماعة، الصغير ده طلع فيه خير وجمال ميتوصفش، وحياة ربنا. أنا، كل ما افتكر قد إيه أهلها صارعوا وعافروا عشان تبقي مركز، بحس إن الطموح والعزيمة دول ممكن يعملوا المعجزات. جدودنا بيقولوا عندنا في الصعيد: "اللي عايز حاجة، بيجيبها لو كانت آخر الدنيا"، وأهل الوقف دول طبقوا المثل ده بالحرف.

مكانها فين دي؟ دي على بُعد حجر من قنا وزحمتها

طب تعالوا نلف لفة كده على خريطة قنا ونشوف الوقف دي فين بالظبط. متخيلش إنها في آخر البلد ولا حاجة، لأ سمح الله! كل الحكاية إنك تركب عربية أجرة، وتشد خط على الطريق الزراعي اللي ماشي جنب النيل كده، أو لو بتحب المغامرات أكتر، على طريق الصحراوي الشرقي السريع، هتلاقي نفسك قدام لوحة مكتوب عليها "الوقف". هي بتبعد عن مدينة قنا، عاصمتنا، حوالي 30 أو 35 كيلو متر بالكتير أوي. يعني من موقف قنا العمومي، لو ركبت عربية بـ 15 أو 20 جنيه بالكتير (طبعاً الأسعار دي بتتغير على حسب اليوم والسواق)، ممكن نص ساعة بالظبط أو بالكثير أوي أوي 40 دقيقة، وهتكون وصلت لقلب الوقف.

المكان ده عملها وضع مميز أوي، خلاها مكان زي ما بيقولوا "مثالي" للناس اللي عايزة تهرب من دوشة قنا وزحمتها اللي مبتقفش. بس في نفس الوقت، يفضلوا قريبين من كل الخدمات اللي في المدينة عشان لو احتاجوا حاجة. يعني حبايبنا اللي هناك، لو عايزين يروحوا سوق الخضار الكبير بتاع قنا، يا دوبك مشوار قصير. لو عايزين يخلصوا ورق في المحافظة، برضه المسافة قريبة. المستشفيات الكبيرة، كله زي ما بيقولوا عندنا: "على بُعد نطة". والله، أنا لسه من كام شهر كده، كنت عند "أم سعيد" من قرية الشيخ علي بالوقف، وكنت بسألها عن المعيشة هناك، قالت لي بالحرف: "يا ابني، أنا لو عايزة أشتري خضار طازة من سوق الوقف عندنا، اهو على بُعد خطوات. ولو عايزة أشتري قماش من شارع مصر هنا في قنا، ما انا قريبة، مش محتاجة أبات عشان أخلص أموري". حاسس إن كلامها ده اختصر الحكاية كلها، هي دي الوقف.

الوقف.. سلة قنا الخضرا وريحة أرضها الطيبة اللي بتفتح النفس

أنا دايماً أقول، لما تمشي في شوارع أي بلد، أول حاجة بتوصلك هي ريحتها. في الوقف، أول حاجة هتخش أنفك هي ريحة الأرض المروية، ريحة الخير والطمأنينة. هنا يا جدعان، الزراعة مش مجرد شغلانة، دي حياة كاملة، دي روح المكان اللي بتطرح خير. غالبية أهل الوقف بيشتغلوا أيديهم في الأرض، بيصحوا من بدري الفجرية، ويقضوا يومهم كله ما بين فدان وغيط، يسقوا ويزرعوا ويحصدوا. في الشتا، بتلاقي حقول القمح هناك مغطية الأرض كلها كإنها سجادة دهب بتتوهج، ولما يجي الصيف، بتلاقي محاصيل الذرة والطماطم، والخضروات بكل أنواعها. كان زمان فيه قطن كتير، بس للأسف قل شوية اليومين دول.

كل يوم الفجر، وقبل ما الشمس تحمى أوي، تلاقي العربيات النقل الصغيرة، و"التكاتك" كمان، متحملة بالخير ده كله، ورايحة على أسواق قنا الكبيرة، زي سوق الماشية سوق التلات في دشنا، وسوق الخضار عندنا. الليمون اللي بيتزرع في الوقف، أو الطماطم بتاعتها، ليها طعم مختلف، بجد ليها طعم تاني. الحاج "محمود أبو الفضل" من نجع حمادي، وده تاجر خضار كبير ومعروف، قال لي مرة وهو بيشهد: "الوقف دي بركة خير يا صحفي، خضارها وفاكهتها بتسد حاجتنا في قنا كلها وبتوصل لأسواق المحافظات اللي جنبنا كمان. طعمها غير أي حاجة تانية، تحس إنها متربية على الميه النضيفة والشمس الصافية، وتفتح النفس من الآخر". والله، كلامه ده مش مجاملة، دي حقيقة بيلمسها أي حد بيدوق خير الوقف.

هدوء وسكينة.. ملاذ للروح في زمن كتر فيه الدوشة

لو سألتني إيه أكتر حاجة بتميز الوقف عن أي حتة تانية في قنا، هقولك الهدوء. أنت عارف عندنا هنا في الصعيد، طول النهار والليل في صوت، مكن، عربيات، ناس رايحة وجاية، صوت عالي. لكن الوقف شيء مختلف. تلاقي الشارع هناك هادي ونضيف، مفيش الدوشة بتاعة المدن الرئيسية، ومفيش الزحمة اللي بتخلي الواحد مكتوم. أول ما رجلك بتدوس أرض الوقف، بتحس إن فيه حاجة اتغيرت جواك، كإنك شلت السماعات اللي بتصدع دماغك في قنا أو دشنا. البيوت هناك مش لازقة في بعضها زي عندنا في المدينة، فيه مساحات واسعة، فيه جناين صغيرة بتزين البيوت، وشجر النخيل كده واقف شامخ في كل مكان، بيديها شكل حلو أوي.

بصراحة، المنظر ده بيخلي الواحد يرتاح نفسياً. الطبيعة هناك لسه محتفظة بجمالها البكر. الهواء نضيف، مفيش الدخان بتاع عوادم العربيات زي ما بنشوف في أي مدينة كبيرة. تلاقي الناس قاعدة على المصاطب قدام بيوتها بالليل، يتكلموا ويضحكوا، بس كده بالراحة ومن غير صوت عالي. أنا شخصياً يا جماعة، لما بكون متضايق أو زهقان من زحمة قنا وشغلها اللي مش بيخلص، بلاقي نفسي بتوجه للوقف. شوية هدوء هناك كفيل يرجعلي طاقتي كلها، كأنها "فشة خلق" كده للروح.

ناس على الفطرة.. كنز الوقف اللي ميتعوضش

آخر حاجة هتكلم عنها، وأنا شايفها أهم حاجة في الوقف كلها، هي الناس. أهل الوقف دول كنز حقيقي ميتعوضش. طيبين أوي، ووشوشهم كلها بشاشة كده وتفتح النفس، وقلوبهم مفتوحة للكل. التعامل معاهم سهل ومريح، مفيش أي تكلف أو تصنع زي اللي ساعات بنشوفه في المدن الكبيرة. الضيف عندهم له منزلة خاصة أوي، بيفرشوا له الأرض حرير زي ما بيقولوا. لو سألت عن أي حاجة، هتلاقي ألف واحد يقف جنبك ويساعدك، وكأنك واحد منهم.

والأجمل فيهم إنهم ناس جدعان، وبيحبوا بلدهم دي بجد. كل واحد فيهم بيحاول بجهده الصغير أو الكبير، إنه يطور الوقف. تلاقي الفلاح بيشق في أرضه، والمعلم بيعلم في مدرسته، والشاب بيشارك في أي مبادرة خيرية تفيد البلد. الحاجة "فاطمة"، وهي ست كبيرة في السبعينات من الوقف، كانت بتقولي مرة كده بحنان: "يا ابني، إحنا هنا عيلة واحدة، بنفهم بعض بالعين قبل الكلام. لو حد فينا تعب، كلنا بنقف جنبه. ولو فيه حاجة هتفيد بلدنا، الكل بيشتغل بإيد واحدة". كلامها ده يا جماعة بسيط أوي، لكنه بيختصر كل معاني الكرم والجود والأصالة اللي في أهل الوقف. ربنا يبارك فيهم وفي أرضهم ويديم عليهم الخير والهدوء.


أسئلة بتيجي على بال كل واحد (كلام مهم لازم نعرفه)

1. طيب، إيه اللي خلا الوقف دي تبقى مركز لوحدها؟ القصة ببساطة، بدأت بإصرار وعزيمة أهلها ورغبتهم الصادقة في التطور والنمو. كانوا بيشوفوا إن القرية كبرت وبقى عدد سكانها كبير ومحتاجة خدمات أكتر، وتستاهل إنها تكون كيان مستقل بإدارتها. وبفضل المجهودات اللي عملوها، وتقديمهم لمطالبهم بطريقة صحيحة لقنواتها، قدرت الدولة تستجيب لمطلبهم ده وتحولها لمركز إداري له استقلاله. عمر ما في حاجة تيجي بالساهل، والوقف دي نموذج حي على إن الجهد والمطالبة المستمرة بتجيب نتيجة.

2. هل الوقف فيها خدمات كافية زي أي مركز تاني في قنا؟ هي لسه زي ما بنقول "بتبني نفسها" وصغيرة نسبياً في عدد السكان، بس فيها كل الخدمات الأساسية اللي يحتاجها أي مواطن عادي: مستشفى مركزي بيخدم المنطقة، مركز شباب عشان يستوعب طاقات الشباب، مدارس لكل المراحل التعليمية، مكاتب بريد عشان قضاء المصالح، وسجل مدني. الخدمات هناك في تطور مستمر، وكل فترة بنسمع عن إضافة خدمة جديدة أو تطوير لمرافق قائمة. أهلها هناك حريصين أوي على التطور ده.

3. إيه أشهر الأماكن اللي ممكن أزورها لو رحت الوقف؟ بصراحة، الوقف مش مركز سياحي بمعنى "الآثار" أو "الشواطئ" المعروف. جمالها الحقيقي بيكمن في طبيعتها الهادية اللى بترد الروح، وحقولها الخضرا اللي بتريح العين، والأجواء الريفية النقية اللي بتخلي الأعصاب ترتاح وتفصل شوية عن دوشة الدنيا. ممكن تتمشى على شط النيل الهادي هناك، تشوف المراكب الصغيرة، أو تقعد في أي كافيه بلدي بسيط، أو تزور الأسواق الشعبية وتستمتع بالأجواء المحلية البسيطة. هي مكان لراحة البال أكتر منه مكان لتصوير السيلفي أو زيارة آثار ضخمة.

4. إيه أشهر المحاصيل الزراعية اللي بتطلع من أرض الوقف؟ الوقف دي أرضها مباركة فعلاً وتشتهر بمحاصيل كتيرة، أشهرهم "قصب السكر" وده يعتبر محصول أساسي بيدخل في دخل غالبية الفلاحين هناك. وكمان بتشتهر بالخضروات المتنوعة زي الطماطم اللي بتطلع بكميات كبيرة ونوعيتها ممتازة، والخيار، والفواكه خصوصاً الموالح بأنواعها المختلفة. أرضها خصبة أوي، وبتطلع خير كتير بفضل مجهودات الفلاحين الغلابة اللي هناك اللي بيسهروا الليل والنهار على زراعتهم.